بقلم: الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
المصدر: موقع مجلة حراء
في ليلة طويلة ظلماء، ساقني الكرب إلى أعتاب الخالق جل جلاله، وهناك لقيت من الأنس أضعاف ما أملته من دنيا الناس وشؤونهم، فغمرتني نشوة الذل لقيّوم السماوات والأرض ،وفاض القلب بهذه النجوى:ا
وكيف يكون كسيرا وأنت النور الذي يشعّ في حناياه والأمل الذي يخفق به ويعيش عليه!..ا
بل كيف لا يكون كسيرا وقد ذلّ لعظيم سلطانك، ودان لسابق حكمِك وقضائك!..ا
بلائي به محض العبودية لك، والتجاؤه إليك محض رعاية وتوفيق منك. فلأيّهما أدين بالشكر، وعلى أيهما أبذل التحمّل والصبر، وأقسى ما في كلّ منهما نعمة منك لا أستحقّها، ويد جميلة لا قبَل لي بأداء شكرها.ا
مولاي!ا
لئن نسيتْني أفراحُ الدنيا، فإن عزائي بما فاتني منها عظيم ما ألقاه من الأنس بذاتك، والأملِ في رحمتك. ولئن أبكتْني صروف الليالي والأيام فإن عزائي معها بكائي على أعتاب لطفك وبين يدي ربوبيتك. وشتان بين دموع اعتصرتْها الآلام من العيون، ودموع استجابتْ لذلّ العبودية فانحدرت تبكي لمن خلق الوجد في القلوب، وأودع الحرقة في الدموع.ا
مولاي!ا
أأشكرك على ما أوليتني من نعمة الصبر على البلاء، أم أشكرك على ما أوليتني بذلك من سعادة القرب إليك ولذّة المناجاة لك؟.. جلّت حكمتك يا سيدي، وصدق ما قاله الواصلون: “إنّ في كلّ جلال جمالا، وفي كل ابتلاء منّة ولطفا”. وهل في اللطف ما هو أعظم من انصراف العبد إليك، وتحوله عن الأغيار إلى ملازمة بابك الكريم.ا
إلهي!ا
أي شيء يوحشني من الدنيا فقْده بعد أن رأيتك أمامي، وأنست بك في سري وجهري؟!. بل أي منّة منك أعظم وأجلّ من أن تُزيح عني حجابا كان قد شغلني عنك، فشُغلتُ بك عنه بما أكرمتَني من الاعتصام بك والتضرع إليك؟..
أجل يا سيدي… لقد ذهب موسى ليقتبس نارا، فعوّضتَه عن ذلك بعظيم نجواك!.. نعم، إن القلب قد يتألم ولكن ما ألذَّ الألَم الذي يذيق صاحبه طعم العبودية لك، وحلاوة الرضا بحُكمك!..ا
ولكني يا مولاي، أجدني قد تطاولتُ بهذا القول إلى مكانة ليس لي شرف الدنوّ إليها. وما أنا -وحقك- في المزلة ممن يَحسُن بهم أن يقولوا: “عذِّبْ بما شئتَ، غيرِ البُعد عنك”..ا
إنني يا مولاي عبد إحسانك وفضلك، أفرّ من كل ضائقة إلى ظلال رحمتك، وأرتمي هاربًا من كل بلاء أمام أعتاب جودك. حسبي أن أتعلق في الخوف من كل كرب بنجوى أحبِّ خلقك إليك: “ولكن عافيتك أوسع لي”. وبدعاء نبيك الكليم: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾(القصص:24)، وبنداء رسولك الصابر الأواب لربِّه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء:83).ا
وكيف لا أتعلق بفضلك وأطمع بعافيتك، وأنت الذي لم تُقصِني عن مائدة إحسانك في يوم من حياتي، ولم تقطع عني وابل رحمتك في لحظة من عمري؟!.. أم كيف أَركن إلى البؤس والضيق، وأنت الذي عوّدتَني العطاء، ونشّأتني في ظلال الرخاء؟!.ا
أعوذ برحمتك التي غمرتَ بها وجودي كله، من أن تبدّل بها شدة لا قبل لي بها، أو بلاء لا صبر لي عليه.
إلهي!ا
سألوني عن وجودك، فقلتُ لهم: “متى عرفتم أنفسكم رأيتموه، ولولا ضلالكم عن كَينونتكم لَما افتقدتموه”.ا
إن الذي ينظر إلى العالم ذاهلا من وراء منظار، جدير به أن يفتقد منظاره ولا يراه، ومهما أدار عينيه فيما حوله فإنه لن يعثر عليه، حتى يهتدي إلى ذاته ويتحسس المنظار القائم أمام عينيه.ا
وسألوني عن أقدس سرّ من أسرارك، فقلت لهم: “إنه القلب!”.. يخفق ويحسّ، ويحنّ ويئنّ، في عالم لا تطوله فيه يدُ المال والمتاع، ولا الصَّنعة والخداع، ولا الدنيا وزخرفها، أو المادة وقيمها!..ا
عروش الدنيا وممالكها، وبطشها وسلطنتها.. كل ذلك أقلّ من أن يقاوم خفقة من خفقات قلب محبّ!..ا
ونعيم الدنيا وأفراحها، ولهوها ولذائذها.. كل ذلك أقلّ من أن يخلق لمعةَ فرحٍ في قلب حزين!..ا
يمضي الناس في معالجة مدَنياتهم وحضاراتهم، ويتسابقون إلى دنياهم وملاذهم، وتبقى هذه القلوب الخفاقة فوق ذلك كله، لا تطوّرها يد الحضارة ولا تغيرها آثار المدنية.ا
فهل في أسرار ما صنَعه الخالق شيء أقدس وأعجب من القلب.ا
وسألوني يا مولاي عن أبدع مخلوقاتك وأجمل آثارك، فخرجت بهم أجتل














